ابراهيم بن عمر البقاعي
53
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ودلت عليه رؤيا الملك من البقرات العجاف والسنابل اليابسات يَأْكُلْنَ أسند الأكل إليهن مجازا عن أكل أهلهن تحقيقا للأكل ما قَدَّمْتُمْ أي بالادخار من الحبوب لَهُنَّ والتقديم : التقريب إلى جهة القدام ، وبشرهم بأن الشدة تنقضي ولم يفرغ ما أعدوه ، فقال : إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * والإحصان : الإحراز ، وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن المنيع - هذا تعبير الرؤيا ، ثم زادهم على ذلك قوله : ثُمَّ يَأْتِي وعبر بالجار لمثل ما مضى فقال : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الجدب العظيم عامٌ وهو اثنا عشر شهرا ، ونظيره الحول والسنة ، وهو مأخوذ من العوم - لما لأهله فيه من السبح الطويل - قاله الرماني . والتعبير به دون مرادفاته إشارة إلى أنه يكون فيه - من السعة بعموم الريّ وظهور الخصب وغزير البركة - أمر عظيم ، ولذا اتبعه بقوله : فِيهِ . ولما كان المتشوف إليه الإغاثة ، على أنه من المعلوم أنه لا يقدر عليها إلا اللّه ، قال بانيا للمفعول : يُغاثُ النَّاسُ من الغيث وهو المطر ، أو من الغوث وهو الفرج ، ففي الأول يجوز بناءه من ثلاثي ومن رباعي ، يقال غاث اللّه الأرض وأغاثها : أمطرها ، وفي الثاني هو من رباعي خاصة ، يقال : استغاث به فأغاثه ، من الغوث وهو واوي ، ومعناه النفع الذي يأتي على شدة حاجته بنفي المضرة ، والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في وقت الحاجة وَفِيهِ أي ذلك العام الحسن . ولما كان العصر للأدهان وغيرها لا يكون إلا عن فضلة ، قال : يَعْصِرُونَ * أي يخرجون عصارات الأشياء وخلاصاتها ، وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء الخصب الذي دل عليه العصر في رؤيا السائل ، والخضرة والسمن في رؤيا الملك فإنه ضد القحط ، وكل ضدين انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة ، فجاء الرسول فأخبر الملك بذلك ، فأعجبه ووقع في نفسه صدقه وَقالَ الْمَلِكُ أي الذي العزيز في خدمته ائْتُونِي بِهِ لأسمع ذلك منه وأكرمه ، فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك فَلَمَّا جاءَهُ أي يوسف عليه الصلاة والسّلام عن قرب من الزمان الرَّسُولُ بذلك وهو الساقي قالَ له يوسف : ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أي سيدك الملك فَسْئَلْهُ بأن تقول له مستفهما ما بالُ النِّسْوَةِ ولوح بمكرهن به ولم يصرح ، ولا ذكر امرأة العزيز كرما وحياء فقال : اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي ما خبرهن في مكرهن الذي خالطني ، فاشتد به بلائي فإنهن يعلمن أن امرأة العزيز ما دعتهن إلا بعد شهادتهن بأنها راودتني ، ثم اعترفت لهن بأنها راودتني ، وأني عصيتها أشد عصيان ، فإذا سألهن بان الحق ، فإن ربك جاهل بأمرهن . ولما كان هذا موطنا يسأل فيه عن علم ربه سبحانه لذلك ، قال مستأنفا مؤكدا لأنهم عملوا في ذلك الأمر بالجهل عمل المكذب بالحساب الذي هو نتيجة العلم : إِنَّ